المقدمة
تتابع منظمة مناصرة ضحايا دارفور بقلق بالغ أوضاع الحريات العامة وضمانات المحاكمة العادلة في السودان، ولا سيما القضايا التي تنشأ على خلفية التعبير عن الرأي في الحرب والشأن العام. وفي هذا السياق، وثّقت المنظمة معلومات متعلقة بمحاكمة الصيدلي د. أحمد سليمان أحمد الوقيع، الشهير ب د. أحمد الوقيع، أمام محكمة جنايات الأبيض العامة بولاية شمال كردفان، والتي انتهت يوم الأحد الموافق 16 أغسطس 2026م إلى إدانته بموجب المادة (51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، والمادتين (19) و(24) من قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018م، والحكم عليه بعقوبات سالبة للحرية تُنفذ بالتتابع، إلى جانب مصادرة أمواله.
واستندت المنظمة في هذا التقرير إلى إفادة المحامي الأستاذ عثمان صالح بشأن إجراءات القبض والمحاكمة والظروف التي سبقتها، بما في ذلك تفتيش الهاتف المحمول للمتهم وما أعقب ذلك من فتح دعوى جنائية على خلفية محتوى خاص عبّر فيه عن رأيه بشأن الحرب وضرورة إيقافها. وتثير هذه الوقائع، وفق المعلومات المتاحة، أسئلة جدية بشأن حرية التعبير، والحق في الخصوصية، ومشروعية إجراءات التفتيش، والتناسب بين الفعل المنسوب إلى المتهم والعقوبات المحكوم به.
عرض الوقائع
بحسب إفادة المحامي عثمان صالح، يمتلك د. أحمد الوقيع معصرة للزيوت بمدينة الأبيض. وفي فبراير 2026م حضر فريق تابع للضرائب إلى مقر المعصرة لمناقشة التزامات ضريبية متعلقة بعامي 2023 و2024، وهي الفترة التي شهدت توقفًا واضطرابًا واسعًا في الإنتاج نتيجة الحرب.
وأثناء النقاش، تدخل شخص لم يكن ضمن فريق الضرائب واحتد النقاش بينه وبين د. أحمد الوقيع، قبل أن يتضح، وفق الإفادة، أن الشخص يتبع لجهاز المخابرات العامة – قسم الأمن الاقتصادي. وعقب ذلك تم استدعاء قوة من الجهاز بقيادة ضابط برتبة رائد، وقُبض على د. أحمد الوقيع.
وتشير الإفادة إلى أن النقاش المتعلق بالضرائب لم يكن في ذاته أساس البلاغ اللاحق، وإنما جرى بعد القبض على المتهم تفتيش هاتفه المحمول، وعُثر داخله على محادثة عبّر فيها عن رأيه في الحرب ودعا إلى ضرورة وقفها. وعلى إثر ذلك فُتح في مواجهته بتاريخ 24 فبراير 2026م بلاغ بموجب المواد (26 و50 و51 و65) من القانون الجنائي لسنة 1991م، قبل إحالته إلى المحاكمة.
وفي يوم 16 أغسطس 2026م أصدرت محكمة جنايات الأبيض العامة، برئاسة القاضي أيمن عبد الكريم، حكمها بإدانة د. أحمد الوقيع بموجب المادة (51) من القانون الجنائي لسنة 1991م، والمادتين (19) و(24) من قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2018م. ووفق المعلومات التي تحصلت عليها المنظمة، قضت المحكمة بالسجن لمدة ثلاث سنوات من تاريخ القبض عليه لمخالفة المادة (51)، مع مصادرة أمواله، وبالسجن سنتين بموجب المادة (19) من قانون جرائم المعلوماتية، ثم سنة إضافية بموجب المادة (24)، على أن تُنفذ عقوبات السجن بالتتابع.
كما أفاد المحامي بأن المحكمة أشارت، عند تقدير العقوبة، إلى أنها راعت ما ثبت أمامها من أن المدان كان قد قدم دعمًا للقوات المسلحة السودانية نقدًا وعينًا، واعتبرت ذلك سببًا للتخفيف.
الإطار القانوني والتوصيف الحقوقي
تثير هذه القضية جملة من المسائل القانونية والحقوقية المهمة. فالمادة (51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م تندرج ضمن الجرائم الموجهة ضد الدولة، ومن ثم فإن تطبيقها على تعبير يتعلق بضرورة وقف الحرب يتطلب إثبات العناصر القانونية للجريمة بصورة صارمة، وليس مجرد وجود رأي نقدي أو موقف سياسي. كما أن القانون السوداني للجرائم المعلوماتية لسنة 2018م ما زال قائمًا وقد خضع لتعديلات في عام 2020، وهو قانون أثار انتقادات حقوقية بسبب اتساع بعض صياغاته وتأثيرها المحتمل على حرية التعبير.
والأهم في هذه القضية أن حرية الرأي والتعبيرحق مكفول بموجب المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضم إليه السودان في 18 مارس 1986م. ولا يجوز تقييد هذا الحق إلا بقيود ينص عليها القانون وتكون ضرورية ومتناسبة لتحقيق غرض مشروع. كما أن السودان طرف في الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب منذ عام 1986، وهو ما يرتب عليه التزامات إقليمية بحماية الحقوق والحريات الأساسية.
وبحسب الوقائع المتاحة، فإن مجرد الدعوة إلى وقف الحرب أو التعبير عن رأي بشأنها لا ينبغي بذاته أن يؤدي إلى المسؤولية الجنائية ما لم تقترن العبارة بفعل أو خطاب يحقق العناصر المحددة لجريمة منصوص عليها قانونًا، مثل التحريض المباشر على العنف أو المشاركة الفعلية في نشاط مجرّم. ومن ثم، فإن فرض عقوبات متراكمة تصل في مجموعها إلى عدة سنوات من السجن، إضافة إلى مصادرة الأموال، يثير تساؤلات جدية بشأن مبدأ التناسب ومدى اتساق الحكم مع حماية حرية التعبير.
كما تثير واقعة تفتيش الهاتف المحمول مسألة مستقلة تتعلق بالحق في الخصوصية ومشروعية إجراءات التفتيش وضماناته. فإذا كان التفتيش قد جرى دون أمر قانوني أو خارج الضوابط المقررة في قانون الإجراءات الجنائية، فإن مشروعية الأدلة المستخرجة من الهاتف تصبح محل نزاع قانوني جدي، لا سيما إذا كانت تلك الأدلة هي الأساس الذي بنيت عليه الدعوى الجنائية.
وتؤكد المنظمة في الوقت ذاته أن تقييم سلامة الحكم من الناحية القضائية النهائية يظل من اختصاص جهة الاستئناف المختصة، وأن وصف المحاكمة بأنها «جائرة» أو «غير عادلة» يتطلب فحص ملف الدعوى كاملًا، بما في ذلك محاضر التحري، وأمر التفتيش إن وجد، وأدلة الاتهام، ودفوع الدفاع، وأسباب الحكم المكتوبة. إلا أن الوقائع التي نقلها محامي ، في تقدير المنظمة، المطالبة بمراجعة قضائية عاجلة ومستقلة للحكم والإجراءات التي سبقته.
الخاتمة والتوصيات
ترى منظمة مناصرة ضحايا دارفور أن قضية د. أحمد الوقيع تثير مخاوف جدية بشأن استخدام نصوص الجرائم ضد الدولة وجرائم المعلوماتية في ملاحقة التعبير السلمي المتعلق بالحرب والشأن العام، إضافة إلى مخاوف مرتبطة بمشروعية تفتيش الهاتف المحمول والتناسب بين الوقائع المنسوبة إليه والعقوبات الصادرة بحقه.
وتؤكد المنظمة أن حماية الأمن القومي لا تتعارض مع احترام سيادة القانون والحقوق الأساسية، وأن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لتجريم الرأي السلمي أو الانتقاص من ضمانات المحاكمة العادلة.
وعليه، تطالب منظمة مناصرة ضحايا دارفور بما يلي:
- مراجعة الحكم بصورة عاجلة أمام جهة استئنافية مستقلة ومحايدة، مع فحص مدى توافر العناصر القانونية للجرائم التي أُدين بها د. أحمد الوقيع.
- التحقق من مشروعية تفتيش الهاتف المحمول والإجراءات التي أدت إلى الحصول على المحادثات المستخدمة كدليل في الدعوى.
- الإفراج عن د. أحمد الوقيع إذا لم تتوافر أدلة قانونية كافية تثبت ارتكابه فعلًا جنائيًا يتجاوز مجرد التعبير السلمي عن الرأي.
- ضمان احترام حرية الرأي والتعبير والحق في الخصوصية وضمانات المحاكمة العادلة لجميع المتهمين دون تمييز.
- مراجعة تطبيق نصوص قانون جرائم المعلوماتية والمواد المتعلقة بالجرائم ضد الدولة بما يمنع استخدامها بصورة فضفاضة ضد الصحفيين والنشطاء والمواطنين بسبب آرائهم السلمية.
- دعوة السلطات القضائية إلى ضمان استقلال القضاء وحياده، وتمكين الدفاع من جميع الضمانات والإجراءات اللازمة للطعن في الأدلة والأحكام.
وتؤكد منظمة مناصرة ضحايا دارفور استمرارها في رصد وتوثيق القضايا المرتبطة بحرية التعبير والمحاكمات ذات الصلة بالنزاع، والعمل من أجل تعزيز سيادة القانون وضمان حق جميع السودانيين في العدالة والمحاكمة العادلة.