المقدمة
تتابع منظمة مناصرة ضحايا دارفور بقلق بالغ الانتهاكات المركبة التي يتعرض لها المدنيون في السودان في سياق النزاع المسلح، بما في ذلك الإصابات الناتجة عن القصف العسكري، والحرمان من الرعاية الطبية العاجلة، وما يترتب على ذلك من وفيات يمكن تفاديها. وفي هذا السياق، وثّقت المنظمتان حادثة إصابة ووفاة المواطنة ثريا آدم محمد صالح (42 عامًا)، وهي ربة منزل، بعد إصابتها في ضربة بطائرة مسيّرة بمدينة أم درمان، ثم تعذر حصولها على العلاج المناسب في الوقت المناسب، بما أدى إلى وفاتها لاحقًا متأثرة بإصابتها.
عرض الوقائع
استنادًا إلى مقابلة أجرتها منظمة مناصرة ضحايا دارفور مع أسرة الضحية، بما في ذلك إفادة ابنتها مودة، أفادت الأسرة بأنه في حوالي الساعة الثانية عشرة ظهرًا من يوم 13 مايو 2023م خرجت ثريا آدم محمد صالح برفقة ابنتها من منزلهما في الفتيحاب مربع (5) متجهتين إلى سوق (15) لقضاء احتياجات يومية. وعند وصولهما إلى تقاطع المرور الخليج، تعرض الموقع لضربة بطائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني، ما أدى إلى إصابتها بكسر في الفخذ الأيمن وإصابات بالغة في الصدر والبطن.
ووفقًا لإفادة الأسرة، تم نقلها بصورة عاجلة إلى مستشفى أم درمان حوالي الساعة 2:30 ظهرًا، إلا أن مرافقيها وجدوا المستشفى خاليًا من الكوادر الطبية في ذلك الوقت، فتم نقلها إلى مستشفى السلاح الطبي بأم درمان. وعند الوصول، أفادت الأسرة بأن ضابطًا بالقوات المسلحة برتبة رائد يدعي (غ ،ف أ)رفض استقبالها بحجة أن المستشفى مخصص للجرحى العسكريين فقط، رغم إفادة الأسرة بوجود مدنيين يتلقون العلاج داخله.
وبسبب هذا الرفض، نُقلت الضحية إلى مستشفى حوادث أم درمان، حيث تلقت – بحسب الإفادة – إسعافات أولية محدودة لإصابة الساق دون معالجة شاملة للإصابات الخطيرة في الصدر والبطن. ثم أعيدت إلى منزل الأسرة في المربعات (14)، حيث عانت من آلام شديدة لمدة 45 يومًا في ظل عدم القدرة على الحصول على علاج مناسب، واضطرت الأسرة إلى استخدام وسائل علاج تقليدية بسبب ارتفاع تكاليف العلاج وضعف الخدمات الطبية.
وبعد تحسن طفيف، نقلتها الأسرة إلى ولاية سنار بحثًا عن علاج أقل تكلفة، حيث مكثت ثمانية أيام قبل أن تتدهور حالتها الصحية وتوفيت بتاريخ 17 يوليو 2023م متأثرة بإصابات الصدر الناجمة عن الضربة.
الإطار القانوني والتوصيف الحقوقي
ترى المنظمة أن هذه الحادثة تنطوي على انتهاكين مترابطين:
إصابة مواطنة في سياق قصف عسكري داخل منطقة مدنية، والحرمان من الرعاية الطبية العاجلة والملائمة، بما ساهم في تفاقم حالتها وانتهى بوفاتها.
في سياق النزاع المسلح، يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع الالتزام بمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الأضرار على المدنيين. كما يوجب احترام وحماية الجرحى والمرضى، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية دون تمييز غير مشروع. وعليه، فإن إصابة ثريا آدم محمد صالح أثناء تنقلها لأغراض مدنية، ثم رفض استقبالها في منشأة طبية عسكرية رغم حالتها الحرجة، يثيران مسؤولية قانونية جدية بشأن انتهاك قواعد حماية المدنيين والجرحى.
كما أن الامتناع عن تقديم العلاج أو عرقلته في حالة حرجة قد يشكل انتهاكًا للحق في الحياة والحق في الصحة، وخاصة عندما توجد صلة سببية معقولة بين تأخر/حرمان العلاج وتدهور الحالة الصحية والوفاة اللاحقة. وتزداد خطورة الواقعة في ظل إفادة الأسرة بأن الرفض تم على أساس صفة الضحية كمدنية، رغم الحاجة الطبية العاجلة.
وعلى الصعيد الوطني، قد تندرج هذه الوقائع ضمن أفعال تستوجب التحقيق والمساءلة بموجب القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م، بما في ذلك الأذى الجسيم، والتسبب في الوفاة، والامتناع غير المشروع عن تقديم المساعدة في ظروف تستدعي الإنقاذ، إلى جانب أي مسؤولية وظيفية أو تأديبية عن رفض الاستقبال في المنشأة الطبية العسكرية خلافًا لواجبات الحماية الإنسانية.
الخاتمة والتوصيات
تؤكد منظمة مناصرة ضحايا دارفور أن وفاة المواطنة ثريا آدم محمد صالح تمثل حالة موثقة لانتهاك مركب جمع بين آثار القصف العسكري والحرمان من العلاج، بما أدى إلى نتيجة قاتلة كان يمكن تفاديها إذا تم توفير الرعاية الطبية العاجلة والملائمة. وترى المنظمتان أن هذه القضية تتطلب تحقيقًا مستقلًا ومساءلة فعالة، ليس فقط لإنصاف الضحية وأسرتها، بل كذلك لمنع تكرار أنماط مماثلة من الانتهاكات ضد المدنيين.
وتناشد المنظمة بما يلي:
فتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الضربة بالطائرة المسيّرة التي أدت إلى إصابة الضحية.
محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي أدت إلى إصابتها ووفاتها، بمن فيهم من أصدروا الأوامر أو امتنعوا عن تقديم الرعاية الواجبة.
التحقيق في واقعة رفض استقبالها في المستشفى العسكري رغم حالتها الحرجة، واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
ضمان الحق في العلاج والرعاية الطبية للمدنيين خلال النزاعات المسلحة دون تمييز، وإنشاء آليات طوارئ واضحة لاستقبال الحالات الحرجة.
تقديم الدعم الإنساني والمالي لأسرة الضحية، بما في ذلك الدعم النفسي والاجتماعي.
توفير بيئة تعليمية ودعم دراسي لأبنائها الذين فقدوا والدتهم نتيجة هذه الحادثة.
وتؤكد المنظمة استمرار جهودهما في توثيق الانتهاكات الواقعة على المدنيين في السودان، والتعاون مع الشركاء المحليين والدوليين من أجل ضمان المساءلة وتحقيق العدالة وعدم إفلات الجناة من العقاب.