من كيغالي، حيث تُدار الذاكرة كسياسة دولة لا كحكاية منسية.
تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية تضع سؤالًا ثقيلًا أمام السودان:
هل يمكن تحويل الألم إلى عدالة، والذاكرة إلى سلام؟
اقرأ كلمة العدد:
«رواندا تذكّرت فتعلّمت… فمتى يقرّر السودان أن يتعلّم؟»
أطل عليكم في هذا العدد من رواندا، الدولة التي تحوّلت من واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث إلى تجربة إفريقية لافتة في التعافي وبناء الدولة. وقد قادتني هذه الزيارة إلى أحد أهم معالمها وأكثرها رمزية،، نصب كيغالي التذكاري للإبادة الجماعية.
عند مدخل النصب، تستوقف الزائر عبارة تختصر فلسفة التجربة الرواندية «التذكّر والتعلّم» داخل المتحف، تُعرض الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994 بلا إنكار ولا تزييف، شهادات ناجين، صور للضحايا، أدوات القتل، ومقابر جماعية تذكّر بمقتل أكثر من 800 ألف إنسان خلال نحو مئة يوم. الهدف هنا ليس استدعاء الألم لذاته، بل تثبيت الذاكرة بوصفها شرطًا لمنع تكرار الجريمة.
ما يميّز رواندا حقًا ليس فقط شجاعة التوثيق، بل كيفية إدارة ما بعد الإبادة. فقد اختارت الدولة مسارًا صعبًا وقليل الكلفة سياسيًا، الاعتراف بالحقيقة، المحاسبة، المصالحة المجتمعية، وتجريم خطاب الكراهية. وتم تجاوز الانقسامات بين الهوتو والتوتسي باعتبارها جزءًا من الماضي، وبُنيت هوية وطنية جامعة قوامها المواطنة والانتماء للدولة.
اليوم، تقف كيغالي شاهدًا حيًا على هذا التحوّل. مدينة آمنة، هادئة، ونظيفة بصورة لافتة، تعكس مستوى عاليًا من الانضباط واحترام القانون، وتجعل من السلام ممارسة يومية في حياة الناس، لا مجرد شعار سياسي.
وأمام هذه التجربة، يفرض السودان نفسه على السؤال. فالواقع السوداني اليوم، بما يحمله من عنف وتمزق اجتماعي وانتهاكات جسيمة، يذكّر كثيرًا برواندا الأمس. غير أن الدرس الأهم الذي تقدمه رواندا هو أن الخروج من الكارثة ممكن، متى ما توفرت الإرادة السياسية، وقُدّمت العدالة على الانتقام، وغُلّبت الهوية الوطنية على القبلية والعنصرية.
إن استحضار التجربة الرواندية ليس للمقارنة المجردة، بل للتأمل في طريقنا نحن. فالدول لا تُبنى بنسيان الماضي، ولا بالاستسلام له، بل بتحويل الذاكرة إلى وعي، والألم إلى درس، والعدالة إلى أساس راسخ للسلام.
رواندا تذكّرت فتعلّمت !!
ويبقى السؤال مفتوحًا، متى يقرّر السودان أن يتعلّم؟
https://aswatduhaya.net/?p=2266