في منتصف نهار الحادي والعشرين من يونيو 2026، تحولت منطقة شمال الوادي التابعة لولاية البحر الأحمر من موقع يعج بمئات السودانيين الباحثين عن لقمة العيش في التعدين الأهلي إلى مسرح لعملية عسكرية انتهت باعتقال عشرات المدنيين وإصابة آخرين بالرصاص. ووفقاً للمعلومات التي وثقتها منظمة مناصرة ضحايا دارفور، فإن قوة كبيرة تابعة للجيش المصري دخلت المنطقة ونفذت عملية واسعة النطاق ضد المعدنين السودانيين، في حادثة لا تثير التساؤلات حول مصير الضحايا فحسب، بل تفتح الباب أيضاً أمام أسئلة أعمق تتعلق بحماية المدنيين السودانيين في المناطق الحدودية، وبكيفية تعامل السلطات المسيطرة على المنطقة مع الانتهاكات التي يتعرض لها مواطنوها
وبحسب الإفادات التي حصلت عليها المنظمة من شهود عيان وناجين من الحادثة، فإن الهجوم وقع في حوالي الساعة الثانية عشرة ظهراً بتوقيت السودان يوم 21 يونيو 2026، عندما تحركت قوة عسكرية مصرية كبيرة قُدرت بنحو ستين عربة مسلحة، من بينها ست شاحنات مغلقة مخصصة لنقل المحتجزين، نحو مواقع التعدين التي يعمل فيها مدنيون سودانيون بمنطقة شمال الوادي. وأفاد الشهود بأن القوة قامت بمحاصرة المعدنين وإطلاق النار أثناء تنفيذ عملية الاعتقال، كما تعرض عدد من المدنيين للضرب وسوء المعاملة خلال احتجازهم.
ووفقاً للمعلومات الأولية التي تمكنت المنظمة من التحقق منها، فقد بلغ عدد المعتقلين ما لا يقل عن سبعة وستين مواطناً سودانياً، من بينهم خالد عبدالرحمن ود العمدة (30 عاماً) من منطقة جوغانة بمحلية قريضة بولاية جنوب دارفور، وصلاح عبدالله (25 عاماً)، وعبدالله إبراهيم (31 عاماً) من قرية جوغانة بمحلية قريضة، وحامد نيتشة (29 عاماً) من ذات المنطقة، إضافة إلى عشرات آخرين لم تتمكن المنظمة بعد من التحقق الكامل من هوياتهم بسبب استمرار حالة الخوف والاضطراب بين العاملين في المنطقة. كما أسفرت العملية عن إصابة ثلاثة مدنيين على الأقل، من بينهم المواطن الربيع الذي أصيب بطلق ناري استدعى نقله إلى مدينة بورتسودان لتلقي العلاج.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية خاصة لأنها لم تقع داخل منطقة نزاع عسكري نشط، وإنما استهدفت مدنيين يمارسون نشاطاً اقتصادياً مرتبطاً بالتعدين الأهلي، وهو النشاط الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مصادر الدخل لآلاف السودانيين الذين دفعتهم الحرب والانهيار الاقتصادي إلى العمل في مناطق التعدين النائية والحدودية. وتشير الشهادات التي تلقتها المنظمة إلى أن المعتقلين كانوا غير مسلحين وأنهم لم يكونوا طرفاً في أي أعمال قتالية أو مواجهات عسكرية وقت وقوع الهجوم.
وتثير التطورات اللاحقة للحادثة مخاوف إضافية تتعلق بمحاولات محتملة لعرقلة التوثيق وكشف الحقيقة. فقد أفادت مصادر متطابقة للمنظمة بأن الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش السوداني استدعت، في ذات اليوم الموافق 21 يونيو 2026، سبعة من المعدنين السودانيين إلى مكتبها بمنطقة شمال الوادي بعد وقت قصير من وقوع الهجوم. ووفقاً لإفادة أحد أقارب الأشخاص الذين تم استدعاؤهم، فقد طُلب منهم حذف الصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالحادثة وعدم تداول أي مواد توثق ما جرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما تم تهديدهم بالسجن في حال الاحتفاظ بتلك المواد أو نشرها، وتمت مصادرة هواتفهم المحمولة وتفتيشها قبل إخضاعهم لتحقيق استمر نحو ساعة ونصف.
وتعتبر المنظمة أن هذه الوقائع تثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة استجابة السلطات السودانية للحادثة. ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه من الأجهزة المختصة التحرك لحماية المواطنين وجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات ومتابعة مصير المعتقلين، تشير الإفادات المتطابقة إلى أن الجهد الأول الذي بُذل على الأرض انصب على منع تداول المعلومات المتعلقة بالحادثة وإزالة المواد التوثيقية المرتبطة بها. ومن شأن مثل هذه الممارسات، إذا ثبتت صحتها، أن تؤدي عملياً إلى إضعاف فرص المساءلة وحجب المعلومات عن الرأي العام وعن أسر الضحايا والجهات الحقوقية المستقلة.
وتكتسب منطقة شمال الوادي أهمية خاصة بسبب قربها من مناطق التعدين الغنية بالذهب وبسبب اعتماد أعداد كبيرة من النازحين والفارين من الحرب عليها كمصدر للرزق. فمنذ اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023 وما تبعها من انهيار اقتصادي واسع النطاق، ازدادت حركة المواطنين نحو مناطق التعدين التقليدي، الأمر الذي جعل هذه المناطق أكثر عرضة للتوترات الأمنية والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات الحدودية والتنافس على الموارد.
وما يثير القلق بصورة أكبر هو أن السلطات التابعة لحكومة بورتسودان لم تعلن، حتى وقت إعداد هذا التقرير، عن فتح تحقيق مستقل في ملابسات الهجوم أو في إصابة المواطنين السودانيين واعتقالهم، كما لم يصدر عنها موقف واضح يوضح الإجراءات التي اتخذتها لحماية مواطنيها أو لمتابعة أوضاع المحتجزين. وعندما يقترن هذا الصمت الرسمي بالمعلومات المتعلقة باستدعاء الشهود والضغط عليهم لحذف المواد التوثيقية، فإن ذلك يخلق مجموعة من القرائن التي تستدعي تحقيقاً مستقلاً بشأن ما إذا كانت هناك محاولات للتستر على الانتهاكات أو الحد من وصول المعلومات المتعلقة بها إلى الرأي العام.
ولا تدعي المنظمة امتلاك أدلة قاطعة تثبت وجود تنسيق أو تواطؤ مباشر بين السلطات المصرية والسلطات التابعة لحكومة بورتسودان في هذه الحادثة، إلا أن تسلسل الوقائع والسلوك الموثق للأجهزة الرسمية يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب غياب أي إجراءات معلنة لحماية المواطنين السودانيين أو المطالبة بالإفراج عنهم أو التحقيق في الانتهاكات التي تعرضوا لها، في مقابل ظهور مؤشرات على ممارسة ضغوط ضد الشهود والأشخاص الذين وثقوا الحادثة. وتستوجب هذه المعطيات تحقيقاً مستقلاً وشفافاً لتحديد المسؤوليات وكشف الحقيقة وضمان عدم إفلات أي جهة من المساءلة.
إن اعتقال المدنيين واستخدام القوة المسلحة ضدهم وإصابتهم أثناء الاحتجاز، إلى جانب الضغوط التي مورست ضد الشهود وفقاً للإفادات التي وثقتها المنظمة، تمثل جميعها وقائع بالغة الخطورة تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان. كما تؤكد مجدداً الحاجة الملحة إلى إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في الانتهاكات التي تقع في المناطق الحدودية ومناطق التعدين النائية، وضمان حماية الضحايا والشهود وحفظ الأدلة وتمكين أسر المعتقلين من معرفة مصير ذويهم والحصول على العدالة والانتصاف الفعال.