DVS Org

قضية محمد حافظ آدم ريمة والاستهداف القائم على الخلفية القبلية في السودان

ذبح العدالة: عندما يصبح الزيّ التقليدي جريمة

ملخص تنفيذي
يوثق هذا التقرير قضية المواطن السوداني محمد حافظ آدم ريمة، الذي اعتُقل في يناير 2024 بمدينة بورتسودان، وأدين لاحقًا بموجب المادة (51) مقروءة مع المادة (26) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، على خلفية اتهامات تتعلق بمعاونة قوات الدعم السريع وإثارة الحرب ضد الدولة. تشير المعلومات والوثائق التي اطلعت عليها منظمة مناصرة ضحايا دارفور إلى أن القضية شابتها انتهاكات خطيرة لمعايير العدالة والإجراءات القانونية السليمة، بما في ذلك:
 الاعتقال التعسفي؛
 الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي؛
 مزاعم التعذيب والإكراه أثناء الاستجواب؛
 الاعتماد على الانتماء القبلي والزيّ التقليدي كقرائن اتهام؛
 رفض فحص الأدلة الرقمية بصورة مستقلة؛
 حرمان الدفاع من تقديم دفوع جوهرية؛
 الاعتماد على استنتاجات وظنية بدلاً عن الأدلة الجنائية المباشرة.
وتثير القضية مخاوف جدية بشأن استخدام قوانين الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في السودان لاستهداف مدنيين على أساس الخلفية القبلية أو الاشتباه السياسي، في ظل النزاع المسلح المستمر منذ أبريل 2023.

أولاً: خلفية عامة
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، شهدت البلاد تدهورًا واسعًا في أوضاع حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون، خاصة في القضايا المرتبطة بالنزاع والانتماءات الجهوية والقبلية.
وفي شرق السودان، ولا سيما مدينة بورتسودان التي تحولت إلى المركز الإداري والسياسي المؤقت للسلطات السودانية، تصاعدت عمليات التوقيف والملاحقات الأمنية بحق مدنيين من أبناء بعض القبائل العربية المنحدرة من إقليم دارفور، وسط اتهامات متكررة بالاشتباه في الانتماء أو التعاطف مع قوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، تبرز قضية محمد حافظ آدم ريمة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للقلق، لما تعكسه من مؤشرات على تسيس العدالة، وتوسيع تفسير الجرائم المتعلقة بالإرهاب وإثارة الحرب، واستخدام المظهر الثقافي والانتماء القبلي كعناصر ضمنية للإدانة.

ثانياً: معلومات عن الضحية
محمد حافظ آدم ريمة مواطن سوداني مدني ينتمي إلى إحدى القبائل العربية المنحدرة من إقليم دارفور. عاش لعدة سنوات في المملكة العربية السعودية، حيث كان يعمل شأنه شأن آلاف السودانيين المغتربين الذين غادروا البلاد بحثًا عن فرص اقتصادية أفضل.وبحسب المعلومات التي حصلت عليها المنظمة من الأسرة ومحامي الدفاع، فإن محمد ظل خارج السودان لمدة تقارب خمس سنوات قبل اندلاع الحرب، ولم يكن جزءًا من أي نشاط عسكري أو سياسي.عاد محمد إلى السودان في يناير 2024 عبر مطار بورتسودان، بسبب ظروف أسرية وإنسانية تتعلق بتعرض شقيقتيه لحادث مروري خطير استدعى نقلهما للعلاج، وهو ما أكدت عليه الأسرة ووثائق طبية قُدمت لاحقًا أمام المحكمة.

ثالثاً: الاعتقال والاحتجاز
عقب وصوله إلى بورتسودان، تم توقيف محمد بواسطة الخلية الأمنية المشتركة، واقتياده إلى جهة احتجاز غير معلومة. ووفقًا لإفادات الأسرة والدفاع، فقد:
• تم احتجازه لفترة دون تمكين أسرته من التواصل معه؛
• تعرض للتعذيب وسوء المعاملة؛
• مُنع من النوم؛
• تعرض للضرب والإهانة؛
• أُخذت بعض أقواله في ظروف قسرية.
كما تمت مصادرة هاتفه الشخصي وإخضاعه للتفتيش، وسط مزاعم لاحقة بوجود تلاعب بالأدلة الرقمية ورفض إخضاع الهاتف لفحص جنائي مستقل ومحايد رغم طلب الدفاع ذلك بصورة رسمية.

رابعاً: المحاكمة والاتهامات

قُدمت القضية أمام محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة بمدينة بورتسودان، حيث وُجهت إلى محمد تهم بموجب:
• المادة (51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 المتعلقة بإثارة الحرب ضد الدولة؛
• مقروءة مع المادة (26) المتعلقة بالمعاونة الجنائية.
واعتمدت المحكمة – وفقًا لوثائق القضية – على:
• صور شخصية يظهر فيها المتهم مرتديًا) الكدمول(
• رسائل ومحادثات هاتفية؛
• توقيت دخوله السودان؛
• تفسيرات مرتبطة بانتمائه القبلي.
وفي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة حكمًا بإدانته والسجن لمدة عشر سنوات، قبل أن تقوم محكمة الاستئناف بولاية البحر الأحمر لاحقًا بتخفيف العقوبة إلى خمس سنوات مع الإبقاء على الإدانة.

خامساً: مؤشرات خطيرة على انتهاك العدالة
1/ الاستهداف على أساس الهوية القبلية
تشير الوقائع إلى أن الخلفية القبلية لمحمد لعبت دورًا محوريًا في الاشتباه به وملاحقته. وتفيد المعلومات التي تلقتها المنظمة بأن البلاغ الأساسي ارتبط بنقاشات وانطباعات مرتبطة بانتمائه القبلي، في ظل ربط بعض القبائل العربية في دارفور اجتماعيًا أو سياسيًا بقوات الدعم السريع. ويمثل هذا النمط من الملاحقات خطرًا بالغًا على مبدأ المساواة أمام القانون، ويهدد بتحويل الانتماء الإثني أو القبلي إلى أساس للاشتباه الجنائي.
2/ تجريم المظهر الثقافي
اعتمدت المحكمة ضمنيًا على صور يظهر فيها محمد مرتديًا “الكدمول”، وهو زي تقليدي منتشر تاريخيًا في مناطق واسعة من السودان وغرب وشمال أفريقيا. وترى المنظمة أن استخدام الزيّ التقليدي كقرينة اتهام أو مؤشر على الانتماء العسكري يمثل سابقة خطيرة، خاصة في ظل، الانتشار الواسع للكدمول قبل الحرب؛ واستخدامه ثقافيًا واجتماعيًا خارج السياقات العسكرية، كذألك عدم وجود نص قانوني يجرّم ارتداءه. ويثير ذلك مخاوف جدية بشأن تجريم الهوية الثقافية وربطها تلقائيًا بالانتماء السياسي أو العسكري.
3/ انتهاك ضمانات المحاكمة العادلة
تشير وثائق الدفاع إلى عدة انتهاكات إجرائية، من بينها:
• رفض المحكمة تمكين الدفاع من فحص الهاتف جنائيًا؛
• قفل قضية الدفاع دون طلب صريح من محامي المتهم؛
• الاعتماد على أدلة ظرفية واستنتاجية؛
• عدم تقديم أدلة يقينية مباشرة تثبت المشاركة في أعمال قتالية أو انتماء تنظيمي.
كما أثار الدفاع أمام المحكمة مسألة أخذ الاعترافات والأقوال في ظروف قسرية، وهو ما يثير مخاوف بشأن مدى مشروعية الأدلة المستخدمة في الإدانة.
4/ التلاعب بالأدلة الرقمية
تثير القضية تساؤلات خطيرة بشأن سلامة الأدلة الرقمية المستخدمة ضد المتهم، خاصة بعد رفض إخضاع الهاتف لفحص جنائي مستقل. مع هناك مزاعم إدخال وإزالة محتوى من الهاتف، كذألك غياب الشفافية حول آلية استخراج البيانات وتحليلها. وترى المنظمة أن منع الدفاع من الوصول إلى فحص تقني مستقل يقوض حق المتهم في الدفاع ويضعف مصداقية الإجراءات القضائية.

سادساً: أبعاد القضية في السياق السوداني الحالي
تأتي هذه القضية في وقت شهدت فيه الساحة السودانية تغيرات سياسية وعسكرية ملحوظة، بما في ذلك، الإفراج عن مقاتلين سابقين، وظهور علني لرموز وملابس مرتبطة بالحرب داخل مؤسسات رسمية؛ أيضا مع تراجع الخطاب الرسمي تجاه بعض المظاهر التي كانت تُستخدم سابقًا كقرائن اتهام. وفي المقابل، ما يزال مدنيون مثل محمد حافظ ريمة يقضون أحكامًا قاسية استنادًا إلى قرائن مرتبطة بالمظهر والانتماء والاشتباه، الأمر الذي يثير مخاوف من الانتقائية وعدم المساواة في تطبيق العدالة.

سابعاً: الإطار القانوني الدولي
ترى منظمة مناصرة ضحايا دارفور أن الوقائع الواردة في هذه القضية قد تشكل انتهاكًا لعدد من المعايير الدولية، من بينها:
• الحق في الحرية والأمان الشخصي؛
• حظر الاعتقال التعسفي؛
• حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة؛
• الحق في محاكمة عادلة؛
• قرينة البراءة؛
• الحق في الدفاع؛
• الحق في المساواة وعدم التمييز؛
• الحق في عدم التجريم على أساس الهوية الثقافية أو الإثنية.
وهي حقوق مكفولة بموجب:
• العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
• الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب؛
• اتفاقية مناهضة التعذيب؛
• المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء والمحاكمة العادلة.

ثامناً: مناشدات منظمة مناصرة ضحايا دارفور
تناشد منظمة مناصرة ضحايا دارفور إلى:

  1. فتح مراجعة قضائية مستقلة وشفافة لقضية محمد حافظ آدم ريمة.
  2. التحقيق في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز.
  3. إخضاع الأدلة الرقمية لفحص جنائي مستقل ومحايد.
  4. ضمان عدم استخدام الانتماء القبلي أو المظهر الثقافي كأساس للتجريم.
  5. احترام معايير المحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع كاملة.
  6. تمكين المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام من متابعة القضية بحرية.
  7. الإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا على خلفيات قبلية أو جهوية أو سياسية دون أدلة جنائية مباشرة.
  8. وقف استخدام قوانين الإرهاب لتقييد الحقوق والحريات الأساسية أو استهداف المدنيي

خاتمة

تكشف قضية محمد حافظ آدم ريمة عن أزمة عميقة تواجه العدالة في السودان خلال فترة النزاع، حيث أصبحت الهوية والانتماء والمظهر الثقافي في بعض الحالات مدخلًا للاشتباه والملاحقة الجنائية.
إن استمرار هذه الأنماط من المحاكمات يهدد سيادة القانون ويعمق الانقسامات المجتمعية ويقوض الثقة في المؤسسات القضائية.
وترى منظمة مناصرة ضحايا دارفور أن تحقيق العدالة الحقيقية لا يمكن أن يتم عبر المحاكمات القائمة على الظنون أو الخلفيات القبلية، وإنما عبر إجراءات قانونية مستقلة وعادلة تحترم الكرامة الإنسانية وحقوق جميع المواطنين دون تمييز.

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Scroll to Top